ابن حجة الحموي
227
خزانة الأدب وغاية الأرب
للمبالغة فجمع هذا الكلام بين قسمي المبالغة المجازي والحقيقي ولذلك ورد أن دم الشهيد كريح المسك للمبالغة وهذا النوع أعني المبالغة ممكن الناظم منه في المدائح النبوية والصفات المحمدية فإن المادح إذا بالغ في وصفه كانت تلك المبالغة ممكنة قريبة من معجزاته وعظمه عند ربه فمن ذلك قولي من قصيدة نبوية أقول فيها عن النبي إذا ما سرى فردا لفرط جلاله * يقول الورى قد سار جيش عرمرم فالمبالغة تمت لما انتهيت إلى قولي سار جيش وزدت بعد ذلك بما هو أبلغ منه وأعظم لقولي عرمرم وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه عن النبي كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته * والشهب أحلك ألوانا من الدهم المبالغة تمت للشيخ صفي الدين في الشطر الأول بقوله كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته ولكن زاد بما هو أبلغ منها حيث قال والشهب أحلك ألوانا من الدهم وبيت العميان في بديعيتهم يمم نبيا تباري الريح أنمله * والمزن من كل هامي الودق مرتكم المجمع عليه أن المبالغة في الأوصاف المحمدية ممكنة عقلا وعادة ولكن الأبلغ في مبالغة العميان أن الريح والمزن كان يحب كل منهما أن يتطفل على أنامل النبي في المباراة لعلو رتبته وعظم مقامه وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته أمدح وجز كل حد في مبالغة * حقا ولا تطر تقبل غير متهم هذا البيت لم ينتظم في سلك ما قبله من أبيات المديح النبوي ولا بينه وبين المبالغة أدنى وصلة ولم يظهر لي في بيته غفر الله له إلا وصيته للمادح أنه إذا مدح يتجاوز كل حد وأنه لا يطري فيقبل وما أحقه هنا بقول القائل تمنيتهم بالرقمتين ودارهم * بوادي الغضى يا بعد ما أتمناه وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى * والشهب قد رمدت من عثير الدهم فالمبالغة تمت في شطر البيت الأول بقولي بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى والزيادة بما هو أبلغ منها قولي والشهب قد رمدت من عثير الدهم وتسمية النوع هنا هي ديباجة المبالغتين على هذه الصيغة والله أعلم ( ذكر الإغراق ) لو شاء إغراق من ناواه مد له * في البر بحرا بموج فيه ملتطم قد تقرر في نوع المبالغة أنها إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة وهذا النوع أعني الإغراق فوق المبالغة ولكنه دون الغلو وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة وقل من فرق بينهما وغالب الناس عندهم المبالغة والإغراق والغلو نوع واحد وهنا لم يعمل بقول الحريري سامح أخاك إذا خلط وكل من الإغراق والغلو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن بما يقربه إلى القبول كقد للاحتمال ولولا للامتناع وكاد للمقاربة وما أشبه ذلك من أنواع التقريب وما وقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة ويدخله في باب الإمكان مثل كاد ولو وما يجري مجراهما كقوله تعالى يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار لكنه يمتنع عادة وما زاد وجه الإغراق هنا جمالا إلا تقريبه بكاد واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة فقلبت من الامتناع إلى الإمكان ومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلو قول زهير لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا